مجموعة مؤلفين
194
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
المسلمين رسلا وأنبياء أجرى المعاني في المخاطبات مجرى الصور في المحسوسات التي تقبل التجزؤ والانقسام ، والقلة والكثرة ، وجعل محل ذلك حضرة الخيال فحصر المعاني في المخاطبات فتلقتها بالتشبيه المعقول كما تتلقى بالمحسوسات التي شبهت بها هذه المعاني التي ليس من شأنها - بالنظر إلى ذاتها - أن تكون متحيزة أو منقسمة أو قليلة أو كثيرة أو ذات حد ومقدار وكيف وكم ، وجعل لنا الدليل على قبول ما أتى به من هذا القبيل في هذه الصور ما يراه النائم في نومه من العلم . . ليتبين تفاضل الناس في العقول ، لأنه المشهود عندنا ، لأنّا نرى أشخاصا كلهم يتصفون بأنهم عقلاء ذوو أحلام ، فمنهم من يدرك عقله غوامض الأسرار والمعاني ويحمل صورة الكلية والواحدة من الحكم على خمسين وجها أو مائة أو أكثر أو أقل من المعاني الغامضة والعلوم العالية المتعلقة بالجناب الإلهى ، أو الروحاني ، أو الطبائع أو العلم الرياضى ، أو الميزان المنطقي ، وعقل شخص ينزل عن هذه الدرجة إلى ما هو أقل . وآخر ينزل عن هذه الدرجة إلى ما هو أقل : وآخر ينزل دون هذا الأقل ، وعقل آخر يعلو فوق هذا الأكثر . فلما شاهدنا تفاوت العقول احتجنا أن نقسمها على أشخاص تقسيم الذوات التي تقبل الكثرة والقلة . ويسمى المعنى القابل لهذه القسمة المعنوية الممثلة بالعقل الأكبر الذي قسمت منه هذه العقول التي في العقلاء من الموجودات حسب ما بينهم من تفاوت « 1 » . ولا يقف محيي الدين في تمجيد المعرفة عند هذا الحد الذي تنم عنه هذه النصوص الناصعة ، بل هو يمعن في ذلك فيعلن أن اللّه قد أمرنا بالعلم على اختلاف صوره وأنحائه ووسائله ، ويجعله شرطا أساسيا لإرضاء اللّه وتنفيذ أوامره على الوجه الأكمل ، ويجزم بأنه صمام الأمان للصوفيّة في عبادتهم ومحبتهم من نزغات الشيطان . أو أخطاء النفوس وأضاليل الأهواء التي قد تقودهم إلى أخطر المصائر مع اعتقادهم أنهم على هدى ونور . وهو في هذا يقول :
--> ( 1 ) ص 66 من الجزء الثاني من الفتوحات المكية .